أنجز الباحث الدكتور: محمد بن سعد المقرِّي، تحقيق مخطوطة نجدية نادرة في علم الفلك بعنوان: "الإشارة إلى معرفة منازل السَّبعة السيّارة"، لمؤلفها العلامة عثمان بن عبدالله بن بشر النجدي.
ويقع هذا الكتاب الصادر من دارة الملك عبدالعزيز في 188 تضم دراسة تقديمية وصورًا ورسومًا وجداول توضيحية كثيرة، كما تحتوي على قسمين، الأول: يخص دراسة المخطوطة وتوثيق نسبتها إلى ابن بشر، والملاحظات على المخطوطة، ومصادرها وأهميتها والوصف الاكتناهي لها؛ من حيث حجمها وورقها وخطها وأسلوبها، بالإضافة إلى ترجمة شاملة للمؤلف، والثاني: عن تحقيق المخطوطة وما تضمه من موضوعات مثل: منازل القمر والطوالع والرقائب، والاستدلال بالمنازل على الوقت، وحركة الشمس والبروج والمنازل، والسنة الشمسية والرومية، والكبس في السنة الشمسية والقمرية، والبروج وأيامها وظل الزوال، وفصول السنة والأبعاد بين المنازل، والسّير الطبيعي والقسري للشمس، واختلاف الليل والنهار، وانتقال ضوء الشمس على الأرض وكروية الأرض، ويقصد بالسّبعة السيّارة هي: الشّمس والقَمر وعُطارد والزُّهرة والمرّيخ والمُشتري وزُحل.
وأشار المحقق في طُرّة الكتاب أن العرب قد اهتمت اهتمامًا بالغًا بمنازل القمر والنجوم والأنواء منذ زمن بعيد؛ لأهميتها في حياتهم، فتابعوا طلوعها وغروبها وتحركها في السماء، وربطوا بين حركة الشمس والقمر والنجوم وبين أحوال المناخ والحيوان والنبات؛ فاستدلوا ببعضها على الطرق التي يسلكونها في البر والبحر، كما استدلوا بها على أحوال المناخ وبخاصة وقت المطر والحر والبرد، وكذلك وقت الطرق والنتاج، وغور المياه وزيادتها، ووقت الزّرع وينع الثّمر والحصاد.
وبيّن أنه زاد اهتمام العرب بعلم الفلك بعد ظهور الإسلام؛ لمتابعة الأوقات التي ترتبط بها بعض الشعائر الدينية: كالصلاة والصوم والحج وتحديد القبلة وغيرها، فتابعوا حركات النّجوم، وطلوع الشّمس وزوالها وغروبها، وطلوع القمر وطلوع الفجر إلى غير ذلك.
وأوضح أن إشارات القرآن الكريم فتحت الأذهان إلى النظر في الآفاق، ومع خروجهم لنشر الإسلام؛ اتصلوا بأمم كانت قد بلغت درجة عالية في علم الفلك؛ فاستفادوا من مؤلفاتهم الفلكية، وترجموا بعض الكتب المهمة، ثم بدأوا في التأليف، فكان "علم الأنواء" الذي يدل على قدرتهم وعمق معرفتهم نتيجة أعمالهم العلمية الفلكية، فبرعوا في هذا الميدان وخلّفوا لنا إرثًا عظيمًا لازلنا نستفيد منه إلى اليوم.
وأفاد المحقّق أنه ظهر في القرن الثالث عشر الهجري العلامة: "عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي"، المؤرخ الشهير وأبدى اهتمامًا كبيرًا بالفلك، ويبدو أن هناك عاملين وراء ذلك؛ أولهما: الظروف البيئية القاسية في أرض الجزيرة العربية، بسبب مناخها الصّحراوي المتقلّب، وخلوّها من العلامات التضاريسية البارزة، مما أدى إلى اضطرار الناس إلى متابعة منازل القمر وما يصاحبها من التغيّرات المناخية كالرِّياح والأمطار والبرد والحر، وما يتبع ذلك من خصب وجدب؛ لاعتماد معيشتهم على الرّعي والزّراعة والصّيد، وثانيهما: نبوغ العلامة عثمان بن بشر وشغفه العلمي والقدرات الذهنية المتقدة التي يمتلكها، التي قد جعلته يهتم بالحساب الفلكي الذي يهم مجتمعه؛ فقام بمتابعة متأنية لمنازل القمر والأجرام السماوية الأخرى، ورجع إلى بعض المصنّفات في هذا الميدان، حتى امتلك فيه مهارة فائقة، فصار حيسوبًا ماهرًا يشار إليه بالبنان.
وتابع المحقّق أن "لابن بشر" إسهامات واضحة في (علم الفلك) وخاصة الحساب الفلكي، وتتلخص آثاره الفلكية في تأليف المصنّف الآنف الذكر، وورقة في الحساب محتوية على الجداول سمّاها: "بغية الحاسب"، كما أن له العديد من التقييدات الفلكية التي دونها في كتابه التاريخي الشهير: "عنوان المجد في تاريخ نجد"، وتتميز بدقتها وتفصيلها، وتناول فيها: الكسوف، والخسوف، والغيارات السماوية، والشهب، والنيازك، والمذنّبات، وحساب المنازل والبروج، إضافة إلى بعض رسائله ونبذه الضائعة التي يعتقد المحقّق أن للفلك نصيبًا كبيرًا منها.
ودوّن المحقق عددًا من الملحوظات على مخطوطة: "الإشارة إلى معرفة منازل السبعة السيارة"، منها: أن ناسخها هو مؤلفها، وأنها هي النسخة الأصلية الوحيدة، كما أثبت أنها ناقصة بسبب ضياع جزء كبير منها، وأنها أول كتاب يؤلَّف في علم الفلك والحساب الفلكي في نجد، بالإضافة إلى ملحوظات فنية تتلخص في عرض المؤلف (ابن بشر) المادة العلمية بأسلوب سردي متواصل، مما أدّى إلى تداخل بعض الفقرات، فلم يبوّب مخطوطته، ولم يعنونها لفصولها، كما توجد بعض الأخطاء الإملائية واللغوية.
واختتم المحقّق حديثه التعريفي بالمخطوطة بأنها من الأهمية بمكان لعدّة اعتبارات منها: "مكانة مؤلفها العلمية"، و "ريادة هذه المخطوطة" حيث إنها أول عمل يؤلف عن علم الفلك في نجد، و "القيمة العلمية العالية للموضوعات التي احتوتها المخطوطة".
يُذكر أن بعض مؤرخي نجد وعلمائها يجيدون الحساب الفلكي، ومن أشهر الذين برزوا في الحساب الفلكي الشاعر: "راشد الخلاوي"، وحسابه الذي يعرف بحساب الراعي، ويرجّح أنه عاش في القرن الحادي عشر الهجري، وكذلك الشاعر: محمد بن عبدالله القاضي الذي عاش خلال الفترة ( 1224 هـ - 1285 هـ ) ، أي أنه من المعاصرين لابن بشر . وهو من كبار شعراء الشعر العامي، والمهتمين بالحساب الفلكي والمتابعين لمنازل القمر، وله منظومة في الحساب الفلكي شمل فيها جميع منازل القمر، كما كانت (الأحساء) تضم علماء مبرزين في علم الفلك منهم الشيخ: "محمد بن عبد الرحمن بن عفالق" ( 1100 - 1163) ، ومن مؤلفاته: "مد الشبك لصيد علم الفلك"، وكتاب: "سُلّم العروج إلى علم المنازل والبروج"، و "الجدول"، وهو يجمع بين الطّب والتّوقيت، ومنهم "عبدالرحمن الزواوي"، الذي اختصر (كتاب الجدول)، و "محمد بن عبدالله بن فيروز"، وتلميذه "محمد بن علي بن سلّوم"، وابنه "عبدالرزاق بن سلّوم"، الذي ألّف كُتب منها: كتابان لشرح كتاب: (سُلّم العروج) منها: "الطِّراز المعلّم إلى إيضاح السُّلّم، و "الطريق الأقوم إلى صعود السُّلّم".